اسماعيل بن محمد القونوي

404

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( لكثرة بكائه من الحزن كأن العبرة محقت سوادها ) فالحزن سبب بعيد لبياض العين وسببه القريب كثرة البكاء فأقيم سبب السبب مقام السبب تنبيها لكمال سببية كأن العبرة محقت سوادها قوله كأن المفيدة للتشبيه مشير إلى أن الكلام محمول على التشبيه ولا ابيضاض حقيقة بل لما كان دموعه مستولية ومستمرة يرى في الظاهر أن سوادهما زال وبقي بياضه فلا ضعف لبصره وهو الذي اختاره الواحدي كما نقل عنه الإمام الرازي وهو الحقيق بالقبول المرض عند أرباب العقول . قوله : ( وقيل ضعف بصره ) فحينئذ الابيضاض على ظاهره لكن الابيضاض ليس بالغا بمرتبة يمنع الرؤية بالكلية بل يمنع كمالها ليصح المقابلة بينه وبين قوله وقيل عمي فإن الابياض على هذا التقدير غلب على السواد بالمرة فمنع الرؤية بالكلية فالاحتمالات ثلاثة أقواها أوليها وأخسها أخريها وقيل هذا هو الظاهر لقوله تعالى : فَارْتَدَّ بَصِيراً [ يوسف : 96 ] انتهى والعمى وإن جاز للأنبياء عليهم السّلام لكن مهما أمكن خلافه يجب أو يحسن اختياره كما فيما نحن فيه فإنه لما ساغ الاحتمال الأول لا يحسن أن يذهب إلى غيره إلا على وجه الاحتمال دون الاختيار وأما قوله تعالى : فَارْتَدَّ بَصِيراً [ يوسف : 96 ] فمعناه فارتد بصيرا على وجه الكمال بذهاب العبرات لزوال الحزن والحسرات فإن الدموع مانعة عن كمال الإبصار مع سلامة الإبصار ( قرئ من الحون ) . قوله : ( وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع ) لأن ذلك قص علينا بلا إنكار لكن يشترط خلوه عن الصياحة والنياحة ولطم الخدود والصدور وشق الجيوب وتمزيق الثياب والنوح مثل الكلاب فإن ذلك حرام وفي الحدث إشارة إليه حيث قال عليه السّلام : « ولا نقول ما يسخط الرب ولا نفعل أيضا ما لا يرضى به الرب » لم يذكره لدلالة ولا نقوله عليه كقوله تعالى : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] الآية . قوله : ( ولعل أمثال ذلك لا تدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ولعل أمثال ذلك ) من التأسف والبكاء عند التفجع أي المصيبة إن أريد بالتأسف الحزن بالقلب فلا كلام في عدم دخوله تحت التكليف كالبكاء لكن لا يلائم ما سبق من أن المراد به القول بنحو يا أسفي ويا حسرتا وإن أريد به القول المذكور فعدم دخوله تحت التكليف منظور فيه إذ ما لا يدخل تحت التكليف ما يمتنع والقول المذكور مما يمكن والمخلص تخصيص التأسف بالتحزن وهو غير مقدور للعبد كالبكاء عند شدة الجوى ولا ضير في عدم مناسبته لما سبق ثم إنه لما لم يدخل أمثال ذلك تحت التكليف فقوله ولعل أمثال ذلك بمنزلة الإضراب عن قوله وفيه دليل على جواز التأسف كأنه قيل ولعل أمثال ذلك تركها قوله : فإنه قل من يملك نفسه دفع لما يقال كيف يصح مثل هذا الأسف على يعقوب وهو ممنوع عند الشرع وحاصل الدفع أن ذلك مجبول عليه النفس والجبليات دفعها غير مقدور للبشر .